آخر التدوينات
أصناف ثلاثة ذكرتهم سورة البقرة
الأحد, الـ 17 من أبريل 2011 م لطائـف قرأنيه 1475 طباعة


في أوائل سورة البقرة ،بين الله تعالى صفات المتقين ، ثم أعقبها بذكر حال الكافرين ، ثم ذكر حال المنافقين، وختم بيان ذلك بقوله : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ، فما ربحت تجارتهم وماكانوا مهتدين. وهذه تجارة خاسرة ، وبضاعة كاسدة ، لاتباع إلا في سوق المنافقين ، ولا يبتاع منها إلا المنافقون.

 وتأمل تلك العبارة الدقيقة في الآيةقبلها : وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا . وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم، إنما نحن مستهزئونفتعبير الآية يقول إنهم إذا لقواالذين آمنوا ، بينما عند شياطينهم قال : وإذا خلوا . فهم مع المؤمنين ظاهرا ، حالالملاقاة ، بينما هم مع شياطينهم في خلوة ، وهكذا حال المنافقين في كل زمان ، ومكان.

يجاهرون بالقول الحسن أمام المؤمنين ، فينمقون الكلمات ،ويزخرفون العبارات ، وإن يقولوا تسمع لقولهم ، يطنبون في ذكر محاسن الدين ، وحرصهمعلى أخلاق المسلمين ، وسعيهم للإصلاح ، ونهيم عن الفساد ، يعجبك قوله في الحياةالدنيا ، ويشهد الله على ما في قلبه ، هذا في العلن ، في أرواق الصحف والمجلات ،ومن خلف مكبر المذياع ، وعلى شاشات الفضائيات . أما إذا خلوا ، واستتروا عن أعينالناس ، وظنوا أن لا أحد يسمعهم ولا يشعر بهم ، واطمأنت نفوسهم إلى من حولهم ،قلبوا ظهر المجن ، وأظهروا ما أسروه في العلن ، فصاروا ألد الخصام ، كما جاء فيالحديث عند ابن ماجه ، عن ثوبان ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهقال : لأعلمن أقواما من أمتي ، يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضا ،فيجعلها الله عز وجل هباء منثورا ! قال ثوبان : يا رسول الله ، صفهم لنا ، جلهم لنا، أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم ، قال : أما إنهم إخوانكم ، ومن جلدتكم ، ويأخذونمن الليل كما تأخذون ! ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها . صححه الألباني. وصدق الله إذ يقول : يخادعون الله والذين آمنوا ، ومايخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون.

 هذا نوع من المتاجرين ، لكنهم تاجروافي الضلالة فاشتروها ، وزهدوا في الهدى فأعرضوا عنه ، ولم يبذلوا فيه دينارا ولادرهما ، فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين.

معاشر المسلمين : هنا وقفة للتأمل ، فإن الآية قررت عدم ربحتجارتهم ، وقررت عدم هدايتهم ، وهما موضوعان مختلفان.

فإنهم في تجارتهم كانوا يسعون للربح ويقصدونه ، فما ربحوا ،ولم يعبر هنا بالخسران ، كما عبر في آيات أخر ، لأنهم قد يظهر من أحوالهم أنهممنتصرون ، وأنهم رابحون ، كعلو في المنزلة ، أو كثرة في المال ، أو رفعة في منصب أوجاه ، أو غير ذلك ، فقررت الآية أن كل ما يحصل له ، وما يناله المنافق من زخرفالدنيا ليس ربحا ، قد لا يكون خسارة ، لكنه قطعا ليس ربحا ، إذ قد يربح من الدنيامتاعا وزخرفا ، وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا ، والآخرة عند ربك للمتقين.  فالدنيا كلها ليست ربحا ، ,عن حازها كلهاأناس ، ولم يكن ذلك أبدا ، بل سماها الله تعالى ثمنا قليلا ، كما جاءفي آيات أخرى ، فتجارة المنافقين لا تربح.

ثم قررت الآية عدم هدايتهم ، لأن الذي يسعى إلى الربح لا بدأن يتقن الصنعة ، وأن يحسن اختيار السلعة ، وأن يعلم أصول التجارة ، وإلا فقد سعىفي خسارته ، ولا يربح في تجارته ، فإن كسب شيئا فإنما هو محض صدفة ، كما يقال : لاتتكرر ، وقد تكون نتائجها زيادة في جهله ، وتكريسا لخسارته . فجمعت الآية لهم بينفساد المنهج ، وضلال الطريقة ، وسوء الصنعة والتخبط في ظلمات الجهل والمكر والخديعة، وكل عاقل يدرك أن هذا الطريق في نهايته مسدود.

معاشر المسلمين : وفي سورة البقرة أيضا إسهاب في قصة موسىمع قومه ، ولليهود في القرآن نبأ عجيب ، وخبر غريب ، يحتاج إلى تأمل وتدبر لا ينقطع، خاصة في زمننا هذا ، مع تسلط اليهود ، وأتباع اليهود من منافقي هذه الأمة ،المتكلمين بألسنتها ، والمتدثرين بشعارها.

وما يهمنا هنا أن الله تعالى بعد أن ذكر بعضا من صفات بنيإسرائيل ، وما أخذ عليهم من عهد وميثاق ، عقب على ذلك بقوله : أولئك الذين اشترواالحياة الدنيا بالآخرة . وفي الآية قبلها سر لطيف ، يبين أن اليهود أشد الناس حرصاعلى إطلاق أسراهم . فلا تتعجبوا من موافقتهم على إطلاق ألف مقابل واحد ، وإن يأتوكمأسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم.

فإذا جمعت بين الآيتين ، في المنافقين : اشتروا الضلالةبالهدى ، وفي بني إسرائيل : اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ، تبين لك سر ارتباطالقوم بعضهم ببعض ، والسبب الرئيس في تعاونهم على المسلمين ،فالمنافق يشتري الضلالة ، يريد الفساد ، يسعى إلى هدم القيم ، ونشر الرذيلة ،وإشاعة الفاحشة ، واليهودي ، والنصراني ، يشترون الحياة الدنيا ، فهمهم هو الحياةالدنيا ، فهم أحرص الناس على حياة ، يود أحدهم لو يعمر ألف سنة ، وما هو بمزحزحه عنالعذاب أن يعمر ، فقد توعد الله الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فقال : فلايخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون.

فالتقت مصالح القوم ، واتفقت أهدافهم ، ذاك يسعى لنيل شهوته، ونشر شبهته ، وذاك يسعى لتعمير دنياه ، ويتمسك بالحياة .

فعثوا في الأرض فسادا ، بحجج تناغمت ، وطرق تنوعت ، منأهمها تشكيك أهل الحق في الحق الذي يحملونه ، ولهذا فقد صدرت السورة بصفات المتقين، الذين يهتدون بالكتاب ، ويؤمنون بالغيب ، ويقيمون الصلاة ، ومما رزقوا ينفقون. وبين في خاتمة الصفات أنهم على هدى من ربهم . فشتان بين من كان على الهدى ، ومناشترى الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين.

إخوة الدين والعقيدة : وصنف ثالث ، لا يقل عنهم خطرا ، وهومن أهم أعوان القوم من المنافقين وأهل الكتاب ، ذكرتها سورة البقرة أيضا ، وهمعلماء الضلال ، وبائعي الدين ، والمتلبسين لباس الزهد والورع ، يكتمون ما أنزل اللهمن البينات والهدى ، ويكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا . فهملا يبينون الحق ولا ينصرونه ، بل الحق عندهم ما حقق مصالحهم ، وما رفع أرصدتهم ،وما نالوا به من مناصب وجاه ، فتراهم يتقلبون ذات اليمين وذات الشمال ، حيث دارتمصالحهم داروا ، فيكتمون الحق ، ولا يتكلمون به ، خوفا على دنياهم ، وسعيا لنيلمبتغاهم ، من حطام الفانية ، وزخرف الحياة الدنيا ، ففتش عن صفاتهم في ثنايا السورةتجدهم في ثنايا قصة اليهود فيها ، فاليهود هم أصل لعلماء الضلال ، يعلمون الحق ولايعملون به ، ويكتمونه ويشترون به ثمنا قليلا ، فبئس ما يشترون . ولهذا جاء تهديدعلماء الضلال في السورة شديدا ، كما قال جل جلاله : إن الذين يكتمون ما أنزلنا منالبينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب ، أولئك يلعنهم الله ويلعنهماللاعنون.وفي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنهقال : لولا آية في كتاب الله ما حدثت أحدا شيئا ، إن الذين يكتمون ما أنزلنا منالبينات والهدى.

وقال جل جلاله : إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتابويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ، ولا يكلمهم الله يومالقيامة ولا يزكيهم ، ولهم عذاب أليم ، ثم انظر وصف تجارتهم : أولئك الذين اشترواالضلالة بالهدى ، والعذاب بالمغفرة ، فما أصبرهم على النار . وجاءت هذه الآية بعدقوله تعالى : إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله ،وذلك تحذير المسلمين مما أحدثه أهل الكتاب في تحليل بعض ما حرم الله ، أو تحريم بعضما أحل الله ، وفي الحديث المشهور في مسند أحمد : من سئل عن علم فكتمه ، ألجم يومالقيامة بلجام من نار.

 

هؤلاء أصناف ثلاثة ذكرتهم سورة البقرة ،يشتركون في البيع والشراء ، لكنهم اشتروا الضلالة بالهدى ، أو اشتروا الحياة الدنيابالآخرة ، أو اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا ، وكلهم قد اشتركوا في الخسران المبين ،فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ، فمن أراد الهدى فالقرآن الكريم هو الهدى ، كمافي أول السورة : ذلك الكتاب لا ريب فيه ، هدى للمتقين.

ويلزم من أراد الهداية أن يسلك مسالكها ، ومن أهم سالكها ماتناثر في ثنايا السورة من أعمال صالحة ، من أهمها الصلاة ، والزكاة ، والصوم ،والحج ، وهي أركان الدين ، ومبانيه العظام ، ومن جملتها الصبر ، والجهاد ، والأحوالالشخصية ، وأحكام المال من قروض ورهن ، وما إلى ذلك ، وهو إشارة في الجملة ،وتفصيلها يطول ، فلا لوم على بعض السلف إن مكث ثمان سنين يتدبر سورة البقرة.

وختام ذلك في ربط مطلع السورة بخاتمتها ، فالمتقون المهتدون، سيواجهون في تطبيق أسس الهداية ومنهجها ، ومواجهة أعدائها من منافقي الأمة ،واليهود والنصارى ، والسلامة من علماء الضلال ، سيواجهونأعباء ، ويذوقون بلاء ،فعليهم بالصبر والصلاة ، وما جاء في خاتمة السورة الكريمة : آمن الرسول بما أنزلإليه من ربه والمؤمنون ، كل آمن بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، لا نفرق بينأحد من رسله ، وقالوا : سمعنا ، وأطعنا ، غفرانك ربنا ، وإليك المصير . وليعلموا فينهاية المطاف أن ما جاء في السورة وغيرها من تكليف إنما هو في المقدور ، والمستطاع، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت . فإذا فهموا هذا ،واستوعبوه ، وعلموا أنهم بشر ينسون ويخطئون ، وعلموا مقدار ضعفهم ، وشدة حاجتهملعون مولاهم ، رفعوا أكف الضراعة سائلين : ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ،ربنا ، ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ، ربنا ، ولا تحملنا مالا طاقة لنا به ، واعف عنا ، واغفر لنا ، وارحمنا ، أنت مولانا ، فانصرنا على القومالكافرين.

هؤلاء هم الصنف الرابع من المشترين في السورة ، وهم من يشرينفسه ابتغاء مرضات الله ، والله رءوف بالعباد. جعلنيالله وإياكم منهم ، بمنه وكرمه. هذا ،وصلوا على النبي الكريم...