آخر التدوينات
عبس و تولى
الأحد, الـ 17 من أبريل 2011 م لطائـف قرأنيه 2283 طباعة


تأملت قول الله تعالى معاتبا نبيه صلى الله عليه وسلم (عبس وتولى أن جاءه الأعمى) فعجبت لوصف الله تعالى للرجل المعبوس في وجهه بالأعمى ، وبحثت في كتب التفسير في معنى هذه الآيات ، ووجدتهم جميعا يركزون على سبب النزول ، وتطرق بعضهم لبعض السر في وصف الرجل بالأعمى .

قال الزمخشري : كأنه يقول : قد استحق عنده العبوس والإعراض ؛ لأنه أعمى ، وكان يجب أن يزيده عماه تعطفا ، وترؤفا ، وتقريبا ، وترحيبا .

وقال ابن عطية : وذكر الله تعالى ابن أم مكتوم بصفة العمى ؛ ليظهر المعنى الذي شأن البشر احقتاره ، وبين أمره بذكر ضده من غنى الكافر، وفي ذلك دليل على أن ذكر هذه العاهات متى كانت للمنفعة أو لأن شهرتها تعرف السامع صاحبها دون لبس ، جائز ، ومنه قول المحدثين سليمان الأعمش ، وعبد الرحمن الأعرج ، وسالم الأفطس ، ونحو هذا . ومتى ذكرت هذه الأشياء على جهة التنقيص فتلك الغيبة ، وقد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة تذكر امرأة ، فقالت : إنها القصيرة ، فقال لها : لقد قلت كلمة لو مزجت بالبحر لمزجته

قال أبو عبد الإله : وكلامه – رحمه الله – فيه نظر ، من وجوه :

الأول : أنه ليس من شأن البشر احتقار الأعمى ، بل هم عادة يرحمونه .

الثاني : أنه لم يكن مشتهرا بهذه الصفة ، قبل نزول السورة ، بل ولم يعرف بها بعد نزولها .

الثالث : أنه لم يذكر المنفعة من وصفه بالأعمى ، وهو ما نحاول أن نستشف الحكمة فيه . 

قال صاحب البحر المحيط : ولابن عطية هنا كلام ، أضربت عنه صفحا

وقال القاسمي : والتعرض لعنوان عماه إما لتمهيد عذره في الإقدام على قطع كلامه صلى الله عليه وسلم ، وتشاغله بالقوم ، وإما لزيادة الإنكار ، كأنه قيل : تولى لكونه أعمى

قال أبو عبد الإله : يتبين لك مما نقلته أن الكلام عن وصف الأعمى بالعمى هنا لم يشف الغليل . والسر عندي - والله أعلم -  أن المراد لفت نظر السامع إلى أن الله تعالى يعاتب نبيه صلى الله عليه وسلم ، في فعل فعله ، حرصا على الدين ، ورغبة في هداية الضالين ، وهذا الفعل منه صلوات الله وسلامه عليه لا يمكن لأعمى أن يدركه ! فالمعاتب فيه لم يشعر بعبوسه ، ولا بتوليه صلى الله عليه وسلم ، إذ إن العبوس : تغير في الوجه ، فعبس : أي : تقطب وجهه ، واربد كراهة لأمره .  والتولي : إعراض عن المتكلم ، وكلاهما لم يشعر بهما هذا الأعمى ، فالعتاب حصل مع كون المعاتب فيه لم يدرك ذلك العبوس ، ولم يشعر بذلك التولي ، وهذا المعنى لا يتبين إلا بالإشارة إلى العمى ، ولهذه الإشارة  فوائد :

أولها :بيان المنهج . فمنهج الدعوة الإسلامية ، عالي الوضوح ، صافي النقاء ، لا يتغير بتغير الزمان ، ولا المكان . نعم ، فالأعمى وإن لم ير عبوسا ، ولم يدرك توليا ، فأنت الداعية ، المؤمن ، صاحب المنهج ، أنت واضح المعالم ، تعاملك مع من يراك ، حتى وإن لم تكن تراه . وفي ذلك زيادة بيان لقوله تعالى ( أدعو إلى الله على بصيرة ) قال المفسرون : على يقين وعلم من غير شك ولا مرية ، مع حجة واضحة غير عمياء . قلت : وعلى وضوح وبيان ، واستنارة ، وثبات .

يزيد هذه الفائدة وضوحا الحديث الذي أخرجه النسائي ، وفيه : أن عبد الله بن أبي السرح اختبأ عند عثمان بن عفان رضي الله عنه ، فلما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة ، جاء به ، حتى أوقفه على النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : يا رسول الله بايع عبد الله . قال : فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثا ، كل ذلك يأبى أن يبايعه ، فبايعه بعد ثلاث ، ثم أقبل على أصحابه فقال : أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي من مبايعته فيقتله؟ فقالوا : وما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك ؟ هلا أومأت إلينا بعينك . قال إنه لا ينبغي لنبي أن يكون له خائنة أعين . قال سيد قطب : وهذا التوجيه يرد تعقيبا على حادث فردي ، على طريقة القرآن الإلهية ، في اتخاذ الحادث المفرد ، والمناسبة المحدودة فرصة لتقرير الحقيقة المطلقة ، والمنهج المطرد .

قال أبو عبد الإله : وكثيرا ما يصف الله تعالى كتابه ، ودينه ، ونبيه صلى الله عليه وسلم بالنور ، كقوله جل وعلا { قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين } وقوله { ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا } وقوله { قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا }  وقوله { يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم } وغيرها من الآيات ، ووصف القرآن بأنه هدى ، والنبي صلى الله عليه وسلم بأنه يهدي إلى صراط مستقيم ، فإذا جمعت بين النور والهداية استنارت لك هذه الفائدة تمام الاستنارة ، والله هو الولي .

الثانية :بيان العمى الحقيقي . فإن كان الذي قدم إليك أعمى البصر ، فإنه قد جاء يريد أن يبصر الحق ، ويزداد منه ، وقد أعرض عنك أعمى القلب ، ظانا أنه استغنى ، وشتان بين أعمى البصر ، وأعمى البصيرة .

 قال البقاعي : لاطفه سبحانه وتعالى بالعتاب ، … مبينا لشرف الفقر وعلو مرتبته ، وفضل أهل الدين وإن هانوا ، وخسة أهل الدنيا وإن زانوا .

الثالثة :بيان حاجة المعوق للعناية . وهذا ما أشار إليه بعض المفسرين فيما نقلت لك آنفا ، وزد عليه قول الزمخشري : ولقد تأدب الناس بأدب الله هذا تأدبا حسنا ، فقد روي عن سفيان الثوري رحمه الله أن الفقراء كانوا في مجلسه أمراء . 

الرابعة :بيان عدل الإسلام . فليس أهل الغنى والجاه بأحق من أهل الفقر والعاهات باستماع الحق والاستئثار بالداعية ، وجهده ، وهمه ، ووقته . ومنه قوله تعالى (وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا ، أليس الله بأعلم بالشاكرين) وقوله (والله أعلم بالظالمين) وقوله تعالى (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) فالدعوة الإسلامية جاءت لتنقذ الإنسان ، مهما كان هذا الإنسان ، وضيعا ، أو شريفا ، كريما ، أو حقيرا ، الأمر لا يختلف ، نحن نريد أن ننقذه من النار ولنوجهه لعبادة الواحد القهار وهذا هو الهدف الأسمى ، والعدل الحقيقي ، وتلك هي حقوق الإنسان في الإسلام ، حقه في أن ينال رفعة الدنيا ، وثواب الآخرة .. والله تعالى أعلم .

فائدة :

قال الإمام عبدالرحمن بن سعدي – رحمه الله تعالى – عند قوله جل وعلا { أو يذكر فتنفعه الذكرى } قال : وهذه فائدة كبيرة ، هي المقصودة من بعثة الرسل ، ووعظ الوعاظ ، وتذكير الذاكرين . فإقبالك على من جاء بنفسه ، مفتقرا لذلك ، مقبلا ، هو الأليق الواجب . وأما تصديك ، وتعرضك للغني المستغني ، الذي لا يسأل ، ولا يستغني0 \عدم رغبته في الخير ، مع تركك من هو أهم منه ، فإنه لا ينبغي لك ؛ فإنه ليس عليك أن لا يزكى . فلو لم يتزك فلست بمحاسب على ما عمله من الشر .

فدل هذا على القاعدة المشهورة أنه [ لا يترك أمر معلوم لأمر موهوم ، ولا مصلحة متحققة لمصلحة متوهمة } .

وأنه ينبغي الإقبال على طالب العلم ، المفتقر إليه ، الحريص عليه ، أزيد من غيره