آخر التدوينات
من مقامات القرني
الأحد, الـ 17 من أبريل 2011 م المجتمع 1398 طباعة


 

قال الراوي : جاءنا رجلٌ مهموم...وقد أنهكته الغموم...فهو من الحزن مكظوم ...فقال : ايهاالناس ... حل بنا البأس ... وذهب منا السرور والإيناس ... وتفرد بنا الشيطان ...فأسقمنا حميم الأحزان ...فهل منكم رجلٌ رشيد ... رأيه سديد ... يصرف عنا هذاالعذاب الشديد ...

فقام منا ... شيخٌ ينوب عنا ...وهو أكبرنا سنا...

 فقال : ايها الرجل الغريب ... شأنكعجيب ... تشكو الهم والوصب ... والغم والنصب ... وأراك لم يبق منك إلا العصب ...أما تدعو الرحمن ... أما تقرأ القرآن ... فإنه يذهب الأحزان ... ويطرد الوحشة عن الإنسان ... ثم إعلم  أفهم ... لتسعد وتسلم .....إن من أعظم الأمور ... في جلب السرور ...الرضا بالمقدور ... وأجتناب المحذور ... فلا تأسف على ما فات ... فقد مات ... ولو أنهكنوزٌ من الذهب والجنيهات ... وأترك المستقبل حتى يُقبل ... ولا تحمل همه وتنقل ...ولا تهتم بكلام الحساد ... فلا يُحسدُ إلا من ساد ... وحظي بالإسعاد ... وعليك بالأذكار ... فهي تحفظ الأعمار ... وتدفع الأشرار ... وهي أُنس الأبرار ...وبهجة الأخيار ...وعليك بالقناعة ... فإنها اربح البضاعة ...وأملأ قلبك بالصدق...وأشغل نفسك بالحق ...وإلا شغلتك بالباطل ... وأصبحت كالعاطل ...وفكرفي نعم الله عليك ... وكيف ساقها إليك ...من صحةٍ في بدن...وأمنُ في وطن ... وراحةٌ قي سكن ... ومواهبٌ وفطن ... مع ما صرف من المحن ...وسلم من الفتن ...

وأسألنفسك في النعم التي بين يديك ... هل تريد كنوز الدنيا في عينيك ؟... أو أموال قارونبين يديك ؟... أوقصور الزهراء في رجليك ؟... أو حدائق دمشق في أًُذنيك ؟... وهلتشتري ملك كسرى بأنفك ولسانك وفيك ؟... مع نعمة الإسلام ... ومعرفتك للحلال والحرام...وطاعتك للملك العلام ...

ثم أعطاك مالاً ممدوداً ...وبنين شهوداً ... ومهد لك تمهيداً ... وقد كنت وحيداً فريداً ... وأذكر نعمة الغذاءوالماء والهواء ... والدواء والكساء ... والضياء والهناء مع صرف البلاء ... ودفعالشقاء ... ثم إفرح بما جرى عليك من أقدار ... فأنت لا تعرف ما فيها من الأسرار ...فقابل النعمة بالشكر ... وقابل البلية بالصبر ... وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء ...وأغفر لكل من قصر في حقك وأساء ... وأغسل قلبك سبعاً من الأضغان ... وعفره الثامنةبالغفران ... وأنهمك في العمل ... فإنه يطرد الملل ...

وأحمد ربك على العافية ... والعيشة الكافية ... والساعةالصافية ... فكم في الأرض من وحيدٍ وشريد ... وطريدٍ وفقيد ... وكم في الأرض منرجلٍ غُلب ... ومالٍ سُلب ... وملكٌ نُهب ... وكم من مسجون ... ومغبونٌ ومديون ...ومفتونٌ ومجنون ... وكم من سقيم ... وعقيمٍ ويتيم ... ومن يلازمه الغريم ...والمرَضُ الأليم ... وأعلم أن الحياة غرفةً بمفتاح ... تصفقها الرياح ... لا صخبٌفيها ولا صياح ... وهي كما قال إبن فارس :-ماءٌ وخبزٌ و ظِل ،،،،، ذاك النعيمالأجلكفرتُ نعمة ربي ،،،،، إن قلت إني مُقل

وأعلم أن لكل باب من الهم مفتاحاً من السرور ... للذنب ربٍغفور ... والفلك يدور ... وأنت لا تدري بعاقبة الأمور ... وملكُ كسرى لا تغني عنهكِسرة ... ويكفي من البحر قطرة ... فلا تذهب نفسك حسرة ... ولا تتوقع الحوادث ...ولا تنتظر الكوارث ... ولا تحرم نفسك لتجمع للوارث ... ويغنيك عن الدنيا مصحفٌ شريف...وبيتٍ لطيف ... ومتاعٍ خفيف ... وكوز ماءٍ ورغيف ... وثوبٍ نظيف ... والعزلةُمملكة الأفكار ... والدواء كل الدواء في صيدلية الأذكار ... وإذا أصبحت طائعاً لربك...وغناك في قلبك ... وأنت آمنٌ في سربك ... راضٍ بكسبك ... فقد حصلت السعادة ...ونلت الزيادة ... وبلغت السيادة ... وأعلم أن الدنيا خداعة ... لا تساوي همّ ساعة...فأجعلها طاعة ... فلما إنتهى من وعظه ... أعجب بلفظه ... وحسن لحظه ... وقال له:جزاك الله عني خير الجزاء ... فقد صار كلامك عندي أشرف العزاء .

المصدر :-مقامات / عائضبن عبدالله القرني