اخر التدوينات
قصور نظام ساهر
الأربعاء, الـ 06 من أبريل 2011 م المجتمع 1568 طباعة


لقد تناول الكثير نظام (ساهر) وأشبعوه طرحاً وبطرق متباينة، وإن كان الإجماع على أنه نظام جيّد ومفيد للمجتمع بجميع شرائحه، وهذا ما أظهرته النتائج بالأدلة والأرقام. وهذا الأمر واضح ولا يمكن لأحد أن يقول غير ذلك، إلا أن هذا لا يمنع من القول أن هناك سلبيات واضحة وجليّة لا يمكن تجاهلها، وذلك من خلال الآلية التي وضعت لتطبيق هذا النظام. ومن المعروف أن لكل نظام جديد سلبيات وإيجابيات، ومن خلال التطبيق والتجربة العملية لابد أن تظهر وتتكشف مثل هذه الأمور بحيث يتم مراجعتها لاستثمار الإيجابيات وتلافي السلبيات. ولو توقفنا عند نظام (ساهر) لوجدنا أن هناك بعض السلبيات التي من الممكن تلافيها لكي يتحقق الهدف الذي تم إيجاد هذا النظام من أجله. وقبل أن ندخل في تفاصيل تلك السلبيات نقول إنه كان بالإمكان الانتظار وإطلاق هذا النظام في جميع مناطق المملكة في وقت واحد لكي تتحقق العدالة والمساواة بين جميع أبناء هذا الوطن. وعلى سبيل المثال، فالنظام لم يطبق بعد في المنطقة الشرقية وهي من أكبر مناطق المملكة ومدنها متشابكة وترتبط بطرق سريعة فيما بينها، وحسب ما ذكرته الصحف فإن أمير المنطقة الشرقية قد ربط تطبيق هذا النظام باستكمال جميع متطلباته الإرشادية والتوعوية بشكل واضح وصريح لكي يكون الجميع على معرفة ودراية بكل تفاصيل هذا النظام. لأن الملاحظ أن القائمين على إطلاق هذا النظام في المناطق التي تم تطبيقه فيها لم يقوموا بالدور الكافي الذي يواكب الحدث من حيث التوعية والإرشاد، فلم نشاهد سوى لوحات صغيرة تختفي خلف شجرة أو نخلة لا يستطيع الشخص مشاهدتها إلا بعد البحث والتقصي.

ولكي لا يلتبس الأمر على البعض ويظن أن الأمر في إيجاد هذا النظام كما يقول المثل (حج وبيع سبح)، ولكي نبعد فكرة بعض الناقمين على هذا النظام ممن يروجون أنه نظام (جباية)، فلابد أن نتوقف عند الآلية المعمول بها في تصنيف مخالفات السرعة ونقيّمها تقييماً دقيقاً لنرى هل هي ملائمة ومقبولة وتؤدي الغرض الذي ينشده الجميع؟.

فليس من المعقول أن يغرّم من يسير بسرعة 62 كم/ ساعة في شارع سرعته حسب النظام 60 كم/ ساعة وبمبلغ ثلاثمائة ريال، لأنه إذا كان الهدف من ذلك درء الحوادث وكبح جماح السرعة فهذا لا ينطبق على هذه الحالة لأن الفارق بين السرعتين ضئيل وغير مؤثر ولأنه من الصعب بل من المستحيل التحكم بهذه الآلة بتلك الدقة المتناهية، وهذا الأمر واضح ومعروف لكل من يقود المركبة فلا يمكن لأي شخص كان أن يضبط سرعته بحيث لا يتجاوز رقماً أو رقمين من السرعة المحددة مهما بلغ من الحرص والانضباط إلا إذا استخدم مثبت السرعة، وهذا غير ممكن داخل المدينة وإنما يتم استخدامه في الطرق السريعة فيما بين المدن. وأعتقد بأن في تلك الدقة مبالغة لا علاقة لها بالهدف المنشود، وأكاد أجزم بأنه لن ينجو أي قائد مركبة من الوقوع في هذا الشرك المنصوب!! وإذا كان لابد من غرامة فالأولى أن تتدرج الغرامة في السرعات الدنيا من مبلغ خمسين ريالاً وتتصاعد تدريجياً حتى تصل إلى الغرامة القصوى في حال السرعات الجنونية. فمثلاً لو جعلنا الشوارع التي سرعتها 60 كم/ ساعة تكون مخالفتها حينما يتجاوز قائد المركبة 65 كم/ ساعة ويكون المبلغ مثلاً خمسون ريالاً وإذا تجاوز 70 كم/ ساعة، ترتفع المخالفة إلى مائة ريال وهكذا يتصاعد المبلغ تدريجياً حتى يصل إلى الحد الأعلى للغرامة حسب ما يراه القائمون على هذا النظام لكي يتحقق الهدف من ذلك دون إرهاق لجيوب المواطنين.

ولعل الجميع يدرك أن هناك من المواطنين من لا يستطيع دفع تلك الغرامة الباهظة، ولعل منهم من تشكل الغرامة ربع دخله الشهري تقريباً وهذه شريحة عريضة من المجتمع من أصحاب الدخل المحدود الذين اضطرتهم الظروف الحياتية لاقتناء وقيادة المركبة نظراً لعدم وجود النقل العام في بلادنا، ونحن نعرف أن الكثير من المواطنين يدفعون أقساطاً من مرتباتهم الضئيلة لشركات السيارات والبنوك في سبيل شراء سيارة لعائلته أو لإبنائه الذين يدرسون في الجامعة ولا يستطيعون الذهاب إلا بواسطة السيارة الخاصة.

والمعضلة الأخرى أو الطامة الكبرى في حال عدم استطاعته تسديد المخالفة في الوقت المحدد ليتم مضاعفتها حسب النظام، والجهاز الآلي لا يفرق بين (غني) متهاون لا يهمه مضاعفة الغرامة و(فقير) معدم لا يستطيع التسديد في الوقت المحدد، والله سبحانه وتعالى يقول في محكم كتابه (فنظرة إلى ميسرة)، ولعلنا بهذه الطريقة نزيد الفقير فقراً ونضيف على كاهلة أعباءً لا يستطيع حملها.

وبما أن الحديث عن الغرامات فلابد أن نعرج على موضوع آخر لا علاقة له بنظام ساهر وإن كان قريباً من ذلك ولكنه يهم شريحة كبيرة من المواطنين، وهي الغرامة التي يدفعها المواطن في حال تأخره عن دفع رسوم الإقامة خصوصاً الخدم والسائقين والبالغ مقدارها خمسمائة ريال والتي تفوق قيمة رسوم الإقامة وهذه الغرامة مع مضاعفة الغرامة في نظام (ساهر) وجهان لعملة واحدة، والواقع أننا لم نجد لها مبرراً مقنعاً ولم نسمع رأياً يوضح سبب دفعها. فما تحدثنا عنه آنفاً من غرامات ساهر له مبررات واضحة ومقنعة للجميع، أما غرامة التأخير في دفع رسوم الإقامة فليتنا نعرف المبررات التي تم بموجبها سن ذلك النظام لكي يكون المواطن على بيّنة من ذلك خصوصاً إذا عرفنا أن الغرامة تتم بعد مدة لا تتجاوز يومين أو ثلاثة من انتهاء الإقامة، علماً بأن أكثر من يدفعها هم من كبار السن والعجزة والأرامل ومن في حكمهم ممن قد لا يستطيع متابعة انتهاء الإقامة لأي ظرف من الظروف.

إن ديننا الحنيف دائماً ما يحث على التسهيل وعدم التضييق، فلم يفرض سبحانه وتعالى على من أفطر في رمضان لأي سبب من الأسباب بأن يصوم بعد رمضان مباشرة بل أعطى للمسلم مهلة طوال السنة، ولم يفرض على من يتأخر عن الصيام مضاعفة الأيام التي يجب أن يصومها علماً بأن الصيام ركن من أركان الإسلام.

إن الدولة -أعزها الله- تبذل الغالي والنفيس في سبيل راحة ورفاهية المواطن ولا تألو جهداً في كل ما هو مفيد للوطن والمواطنين، وستظل -بحول الله- تسير على هذا النهج. والأمل بالله ثم بالمسؤولين النظر في مثل هذه الأمور التي تهم الشريحة الكبرى من أبناء هذا الوطن. وفق الله العاملين المخلصين لصالح البلاد والعباد.. والله من وراء القصد.