آخر التدوينات
فما ربحت تجارتهم
الجمعة, الـ 01 من أبريل 2011 م لطائـف قرأنيه 1403 طباعة



 الحمد لله ، فتح بابه للطالبين ، وأظهر غناه للراغبين . أحمده سبحانه ، حمد الشاكرين ، الذاكرين . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، خير الغافرين ، وأرحم الراحمين ، ورحمته قريب من المحسنين . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، إمام المتقين ، والرحمة المهداة للعالمين ، بشير للمؤمنين ، ونذير للكافرين . صلى الله عليه ، وعلى آله ، وأصحابه أجمعين ، والسائرين على خطاهم ، المتمسكين بهديهم إلى يوم الدين ، وسلم تسليما .  

أما بعد ، فاتقوا الله عباد الله ، فالتقوى غاية العبادة ، يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون .

 أمة الإسلام : في أوائل سورة البقرة ، بين الله تعالى صفات المتقين ، ثم أعقبها بذكر حال الكافرين ، ثم ذكر حال المنافقين ، وختم بيان ذلك بقوله : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ، فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين . وهذه تجارة خاسرة ، وبضاعة كاسدة ، لا تباع إلا في سوق المنافقين ، ولا يبتاع منها إلا المنافقون .

 وتأمل تلك العبارة الدقيقة في الآية قبلها : وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا . وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم ، إنما نحن مستهزئونفتعبير الآية يقول إنهم إذا لقوا الذين آمنوا ، بينما عند شياطينهم قال : وإذا خلوا . فهم مع المؤمنين ظاهرا ، حال الملاقاة ، بينما هم مع شياطينهم في خلوة ، وهكذا حال المنافقين في كل زمان ، ومكان .

يجاهرون بالقول الحسن أمام المؤمنين ، فينمقون الكلمات ، ويزخرفون العبارات ، وإن يقولوا تسمع لقولهم ، يطنبون في ذكر محاسن الدين ، وحرصهم على أخلاق المسلمين ، وسعيهم للإصلاح ، ونهيم عن الفساد ، يعجبك قوله في الحياة الدنيا ، ويشهد الله على ما في قلبه ، هذا في العلن ، في أرواق الصحف والمجلات ، ومن خلف مكبر المذياع ، وعلى شاشات الفضائيات . أما إذا خلوا ، واستتروا عن أعين الناس ، وظنوا أن لا أحد يسمعهم ولا يشعر بهم ، واطمأنت نفوسهم إلى من حولهم ، قلبوا ظهر المجن ، وأظهروا ما أسروه في العلن ، فصاروا ألد الخصام ، كما جاء في الحديث عند ابن ماجه ، عن ثوبان ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لأعلمن أقواما من أمتي ، يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضا ، فيجعلها الله عز وجل هباء منثورا ! قال ثوبان : يا رسول الله ، صفهم لنا ، جلهم لنا ، أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم ، قال : أما إنهم إخوانكم ، ومن جلدتكم ، ويأخذون من الليل كما تأخذون ! ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها . صححه الألباني . وصدق الله إذ يقول : يخادعون الله والذين آمنوا ، وما يخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون .

 هذا نوع من المتاجرين ، لكنهم تاجروا في الضلالة فاشتروها ، وزهدوا في الهدى فأعرضوا عنه ، ولم يبذلوا فيه دينارا ولا درهما ، فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين .

معاشر المسلمين : هنا وقفة للتأمل ، فإن الآية قررت عدم ربح تجارتهم ، وقررت عدم هدايتهم ، وهما موضوعان مختلفان .

فإنهم في تجارتهم كانوا يسعون للربح ويقصدونه ، فما ربحوا ، ولم يعبر هنا بالخسران ، كما عبر في آيات أخر ، لأنهم قد يظهر من أحوالهم أنهم منتصرون ، وأنهم رابحون ، كعلو في المنزلة ، أو كثرة في المال ، أو رفعة في منصب أو جاه ، أو غير ذلك ، فقررت الآية أن كل ما يحصل له ، وما يناله المنافق من زخرف الدنيا ليس ربحا ، قد لا يكون خسارة ، لكنه قطعا ليس ربحا ، إذ قد يربح من الدنيا متاعا وزخرفا ، وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا ، والآخرة عند ربك للمتقين .  فالدنيا كلها ليست ربحا ، ,عن حازها كلها أناس ، ولم يكن ذلك أبدا ،  بل سماها الله تعالى ثمنا قليلا ، كما جاء في آيات أخرى ، فتجارة المنافقين لا تربح .

ثم قررت الآية عدم هدايتهم ، لأن الذي يسعى إلى الربح لا بد أن يتقن الصنعة ، وأن يحسن اختيار السلعة ، وأن يعلم أصول التجارة ، وإلا فقد سعى في خسارته ، ولا يربح في تجارته ، فإن كسب شيئا فإنما هو محض صدفة ، كما يقال : لا تتكرر ، وقد تكون نتائجها زيادة في جهله ، وتكريسا لخسارته . فجمعت الآية لهم بين فساد المنهج ، وضلال الطريقة ، وسوء الصنعة والتخبط في ظلمات الجهل والمكر والخديعة ، وكل عاقل يدرك أن هذا الطريق في نهايته مسدود .

معاشر المسلمين : وفي سورة البقرة أيضا إسهاب في قصة موسى مع قومه ، ولليهود في القرآن نبأ عجيب ، وخبر غريب ، يحتاج إلى تأمل وتدبر لا ينقطع ، خاصة في زمننا هذا ، مع تسلط اليهود ، وأتباع اليهود من منافقي هذه الأمة ، المتكلمين بألسنتها ، والمتدثرين بشعارها .

وما يهمنا هنا أن الله تعالى بعد أن ذكر بعضا من صفات بني إسرائيل ، وما أخذ عليهم من عهد وميثاق ، عقب على ذلك بقوله : أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة . وفي الآية قبلها سر لطيف ، يبين أن اليهود أشد الناس حرصا على إطلاق أسراهم . فلا تتعجبوا من موافقتهم على إطلاق ألف مقابل واحد ، وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم .

فإذا جمعت بين الآيتين ، في المنافقين : اشتروا الضلالة بالهدى ، وفي بني إسرائيل : اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ، تبين لك سر ارتباط القوم بعضهم ببعض ،  والسبب الرئيس في تعاونهم على المسلمين ، فالمنافق يشتري الضلالة ، يريد الفساد ، يسعى إلى هدم القيم ، ونشر الرذيلة ، وإشاعة الفاحشة ، واليهودي ، والنصراني ، يشترون الحياة الدنيا ، فهمهم هو الحياة الدنيا ، فهم أحرص الناس على حياة ، يود أحدهم لو يعمر ألف سنة ، وما هو بمزحزحه عن العذاب أن يعمر ، فقد توعد الله الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فقال : فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون .

فالتقت مصالح القوم ، واتفقت أهدافهم ، ذاك يسعى لنيل شهوته ، ونشر شبهته ، وذاك يسعى لتعمير دنياه ، ويتمسك بالحياة .

فعثوا في الأرض فسادا ، بحجج تناغمت ، وطرق تنوعت ، من أهمها تشكيك أهل الحق في الحق الذي يحملونه ، ولهذا فقد صدرت السورة بصفات المتقين ، الذين يهتدون بالكتاب ، ويؤمنون بالغيب ، ويقيمون الصلاة ، ومما رزقوا ينفقون . وبين في خاتمة الصفات أنهم على هدى من ربهم . فشتان بين من كان على الهدى ، ومن اشترى الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين .

إخوة الدين والعقيدة : وصنف ثالث ، لا يقل عنهم خطرا ، وهو من أهم أعوان القوم من المنافقين وأهل الكتاب ، ذكرتها سورة البقرة أيضا ، وهم علماء الضلال ، وبائعي الدين ، والمتلبسين لباس الزهد والورع ، يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى ، ويكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا . فهم لا يبينون الحق ولا ينصرونه ، بل الحق عندهم ما حقق مصالحهم ، وما رفع أرصدتهم ، وما نالوا به من مناصب وجاه ، فتراهم يتقلبون ذات اليمين وذات الشمال ، حيث دارت مصالحهم داروا ، فيكتمون الحق ، ولا يتكلمون به ، خوفا على دنياهم ، وسعيا لنيل مبتغاهم ، من حطام الفانية ، وزخرف الحياة الدنيا ، ففتش عن صفاتهم في ثنايا السورة تجدهم في ثنايا قصة اليهود فيها ، فاليهود هم أصل لعلماء الضلال ، يعلمون الحق ولا يعملون به ، ويكتمونه ويشترون به ثمنا قليلا ، فبئس ما يشترون . ولهذا جاء تهديد علماء الضلال في السورة شديدا ، كما قال جل جلاله : إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب ، أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون .وفي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : لولا آية في كتاب الله ما حدثت أحدا شيئا ، إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى .

وقال جل جلاله : إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ، ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ، ولهم عذاب أليم ، ثم انظر وصف تجارتهم : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ، والعذاب بالمغفرة ، فما أصبرهم على النار . وجاءت هذه الآية بعد قوله تعالى : إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله ، وذلك تحذير المسلمين مما أحدثه أهل الكتاب في تحليل بعض ما حرم الله ، أو تحريم بعض ما أحل الله ، وفي الحديث المشهور في مسند أحمد : من سئل عن علم فكتمه ، ألجم يوم القيامة بلجام من نار .

.

أمة الإسلام : هؤلاء أصناف ثلاثة ذكرتهم سورة البقرة ، يشتركون في البيع والشراء ، لكنهم اشتروا الضلالة بالهدى ، أو اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ، أو اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا ، وكلهم قد اشتركوا في الخسران المبين ، فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ، فمن أراد الهدى فالقرآن الكريم هو الهدى ، كما في أول السورة : ذلك الكتاب لا ريب فيه ، هدى للمتقين .

ويلزم من أراد الهداية أن يسلك مسالكها ، ومن أهم سالكها ما تناثر في ثنايا السورة من أعمال صالحة ، من أهمها الصلاة ، والزكاة ، والصوم ، والحج ، وهي أركان الدين ، ومبانيه العظام ، ومن جملتها الصبر ، والجهاد ، والأحوال الشخصية ، وأحكام المال من قروض ورهن ، وما إلى ذلك ، وهو إشارة في الجملة ، وتفصيلها يطول ، فلا لوم على بعض السلف إن مكث ثمان سنين يتدبر سورة البقرة .

وختام ذلك في ربط مطلع السورة بخاتمتها ، فالمتقون المهتدون ، سيواجهون في تطبيق أسس الهداية ومنهجها ، ومواجهة أعدائها من منافقي الأمة ، واليهود والنصارى ، والسلامة من علماء الضلال ، سيواجهون أعباء ، ويذوقون بلاء ، فعليهم بالصبر والصلاة ، وما جاء في خاتمة السورة الكريمة : آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون ، كل آمن بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، لا نفرق بين أحد من رسله ، وقالوا : سمعنا ، وأطعنا ، غفرانك ربنا ، وإليك المصير . وليعلموا في نهاية المطاف أن ما جاء في السورة وغيرها من تكليف إنما هو في المقدور ، والمستطاع ، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت . فإذا فهموا هذا ، واستوعبوه ، وعلموا أنهم بشر ينسون ويخطئون ، وعلموا مقدار ضعفهم ، وشدة حاجتهم لعون مولاهم ، رفعوا أكف الضراعة سائلين : ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ، ربنا ، ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ، ربنا ، ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ، واعف عنا ، واغفر لنا ، وارحمنا ، أنت مولانا ، فانصرنا على القوم الكافرين .

هؤلاء هم الصنف الرابع من المشترين في السورة ، وهم من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله ، والله رءوف بالعباد . جعلني الله وإياكم منهم ، بمنه وكرمه . هذا ، وصلوا على النبي الكريم ...

 عادل الكلباني