اخر التدوينات
المسلسلات المدبلجة
الخميس, الـ 31 من مارس 2011 م التربية والتعليم 1370 طباعة


 

المتتبع لما يُبث عبر المحطات التلفزيونية العربية لا شك أنه سيتوقف عند ظاهرة لم تكن معروفة في السابق، ألا وهي المسلسلات الأجنبية (المدبلجة)، التي أخذت تحتل مساحة كبيرة من البث الفضائي العربي منذ مطلع التسعينيات من القرن الماضي. مما أتاح لها الوصول إلى أكبر عدد من المشاهدين العرب في مختلف أنحاء العالم.

 

وقد شهدت مثل هذه المسلسلات رواجاً لافتاً، ومتابعة مستمرة من قبل كثير من المشاهدين، سواء كانوا صغاراً أم كباراً، لما تتضمنه من أحداث مثيرة ومشاهد قد لا يسمح بعرضها من خلال الأعمال الفنية التي تنتج في الوطن العربي.

ومع زيادة أعداد تلك المسلسلات والتي هي في الغالب من إنتاج دول أمريكا اللاتينية كالمكسيك وفنزويلا والأرجنتين، ارتفعت أصوات العديد من أرباب الأسر والمختصين والمعارضين لها للمطالبة بوقف عرضها؛ لأنهم يرون فيها غزواً ثقافياً ساماً، القصد منه النيل من الهوية الثقافية العربية والإسلامية، وتهديداً للقيم والعادات الاجتماعية السائدة في المجتمع العربي.

ويبدو أن أكثر فئات المجتمع متابعة وانجذاباً لتلك المسلسلات التلفزيونية هم الأطفال، الذين قد يدفعهم فضولهم إلى معرفة أدق تفاصيلها ومجريات سيرها، باعتبارها أكثر تشويقاً عن سواها!

ويلاحظ أن المسلسل الواحد قد تطول فترة عرضه لتصل إلى أكثر من مئة حلقة. استخدم القائمون على تلك المسلسلات أحدث التقنيات الإلكترونية لجذب المشاهد. وهذا له دور مهم في وصول المشاهدين إلى حالة أقرب ما تكون إلى الإدمان على متابعة هذه الأحداث.

 

مضامين الحياة اليومية

 

ومن الناحية النفسية فإن انجذاب المشاهد لا يقتصر على الشكل الفني والتقني للعمل التلفزيوني، بل يتعداه إلى مضامين الأحداث المتعلقة بالحياة اليومية والعاطفية، التي لها أثر كبير في تعلق المشاهد بالعمل الفني ومتابعته.

وفي الواقع فإن موضوعات مثل الحب، والخلافات الزوجية الصارخة، وتجاوزات العمل، والعلاقات المشبوهة، وغيرها، يتكرر عرضها بإلحاح كموضوعات رئيسة في تلك المسلسلات.

ويمكننا أن نتبين من خلالها وجود كثير من صور إحباطات الشخصية في قضايا تتصل بالعلاقة الزوجية أو الاجتماعية ما يجعل منها متنفساً لمن يعاني مشكلات مشابهة خصوصاً أن التعبير عنها يتم من خلال التباهي، أو تقمص أحد الأدوار المطروحة التي يتابعها المشاهد، أو تشجيع موقف معين يعجز الإنسان عن ممارسته في الحياة الواقعية اليومية ويجسده الممثل بدلاً منه.

والمعروف أن الإحباطات والعقد النفسية تولد مشاعر سلبية وقلقاً وتوتراً. والتنفيس عنها يفيد بشكل مؤقت، ولكنه لايحل المشكلة في حين أن التحقيق الخيالي لرغبات الإنسان يندرج تحت أحلام اليقظة، التي تعطي راحة مؤقتة، ولكنها تتحول إلى مرض في حال زيادتها عن الحد المعقول.

 

وهكذا فإن إدمان المسلسلات التلفزيونية (المدبلجة) يمكن أن يتحول إلى سلوك مرضي مزمن، بل إنه يؤدي في معظم الأحيان إلى تعميق المشكلات دون توصل أصحابها إلى حل واقعي، ودون اكتساب المهارات اللازمة لمعالجتها بما يلائم الواقع، ومن جهة أخرى فإن معايشة مشكلات الآخرين وطريقة حلها في المجتمعات الغربية المختلفة عن مجتمعاتنا، في طريقة التفكير والأخلاق والقيم والسلوك.

ربما يكون من المفيد الاطلاع على ما يجري في تلك المجتمعات، لأن المعرفة الواعية سلاح مفيد للإنسان، ولكن لن يكون كذلك إذا تبنى الإنسان مشكلات غيره وأساليب حلها مما ليس له علاقة بمجتمعه الخاص، ولذلك فإن الإنسان في الغرب ـ كالألماني أو الفرنسي ـ عندما يتابع مسلسلاً أمريكياً مدبلجاً بلغته لا يستغرب هذا المسلسل ولا يشعر بجو غريب عنه، وعليه فإنه ليس من المستغرب أن يتعايش مع تلك المسلسلات. ومن الأمور التي يجب التوقف عندها مطولاً انجذاب الأطفال بشكل واضح لمتابعة تلك المسلسلات بكل ما تحويه من أفكار وقيم ومشاهد غريبة على مجتمعاتنا، خصوصاً أن الأطفال يحرصون في الغالب على متابعة جميع التفصيلات، التي تشتمل عليها تلك المسلسلات، من قبيل أسماء الممثلين ووقائع كل مشهد. وباستطاعتهم الربط بين الأحداث التي تجري في مختلف الحلقات بشكل متسلسل، حيث يقومون بتجسيد ما يتابعونه على شكل سلوكيات متعددة فيما بينهم أو في علاقاتهم داخل الأسرة.

ولعل مشاهد العنف وآثاره هي أخطر ما يمكن أن يتأثر به الأطفال من مشاهدة مثل تلك المسلسلات، حيث يشعرون بقدرتهم على تقليد تلك المشاهد بأشكالها المختلفة، ما ينعكس على سلوكياتهم اليومية ويولد لديهم الرغبة في تفريغ ما يعانونه على أرض الواقع.

ومع مرور الوقت قد يثير بداخل الطفل أو المراهق حالة من الرفض أو العدوانية تجاه الآخرين.

وفي أحيان كثيرة تتولد لدى مثل هؤلاء الأطفال رغبة في تقليد كل حركة يشاهدونها لأي ممثل محبب لديهم في المسلسل.

ومن الملاحظ أن أسماء العديد من الممثلين والممثلات الذين يظهرون في تلك المسلسلات (المدبلجة) يتم استغلالها لغايات تجارية بهدف جذب الأطفال وحثهم على الشراء. كما أن بعض البضائع التجارية تحمل أسماء تلك المسلسلات وهو ما يؤدي بالطبع إلى غرس عادات استهلاكية غير محببه ليس لدى الأطفال فقط وإنما لدى الكبار أيضاً!

وبالتالي، فقد يكون من الأولى على المجتمعات العربية الاهتمام بالمشكلات التي تواجهها، ثم التعرف على نقاط الضعف والقوة فيها، وأن تسعى إلى حل تلك المشكلات